سبق وأن أفردت مقالين منفصلين لشرح أهمية بوابتي الفيفا الرقميتين، ولكن يبدو أن الصدى لم يكن كافياً. فمع كل يوم يمر، أتفاجأ بأن هنالك العديد من الأندية، لا سيما في منطقتنا، لم تستجب بعد لمتطلبات المرحلة ولم تدرك حجم الخطر المحدق بها. لذا، ونظراً لأهمية الأمر وإلحاحه، وجدت نفسي مضطراً لتسليط الضوء مرة أخرى، ولعلها تكون صرخة أخيرة، على هذا الموضوع المصيري الذي يهدد مستقبل أي نادٍ متقاعس.
“المحكمة الرقمية”.. عدالة الفيفا لن تطرق بابك مرتين!
ودّعت الأندية المحترفة عالمياً عصر التواصل العشوائي عبر البريد الإلكتروني مع الهيئات القضائية للفيفا. فمنذ مايو 2023، أصبحت “بوابة الفيفا القانونية” (FIFA Legal Portal) هي الميدان الوحيد والحصري لجميع المعارك القانونية. إنها المنصة الإلزامية التي تُرفع عبرها الشكاوى، وتُدار منها النزاعات، وتُسلّم فيها القرارات. والكارثة أن أي نادٍ يفشل في التسجيل ومراقبة حسابه بشكل يومي، هو بمثابة من أغلق عينيه وأذنيه بإرادته عن قضاياه. لن يعلم بالدعاوى المرفوعة ضده، ولن يستلم الإخطارات، وسيجد نفسه فجأة أمام عقوبات مدمرة كحظر الانتقالات أو خصم النقاط، دون أن يمنح نفسه حتى فرصة للدفاع. لقد انتهى زمن الأعذار، فعدالة الفيفا الرقمية لن تطرق بابك مرتين.
غرفة المقاصة.. “العقل المالي” الذي يكافئ المجتهدين
على الصعيد المالي، أطلق الفيفا سلاحه الأكثر دقة وفعالية: “غرفة المقاصة” (FIFA Clearing House). هذه المؤسسة المستقلة، التي تعمل من باريس، هي “العقل المالي” الجديد لكرة القدم، ومهمتها بسيطة وقاتلة: ضمان الشفافية المطلقة وتوزيع أموال “حقوق التضامن وتعويضات التدريب” على من يستحقها. فبمجرد انتقال أي لاعب، تقوم الغرفة تلقائياً باقتطاع الأموال من النادي المشتري وتوزيعها بدقة متناهية على كل الأندية التي ساهمت في تكوين هذا اللاعب.
قصص من الواقع: مكافآت للملتزمين وعقوبات للمتجاهلين
هذا ليس مجرد كلام نظري، فالواقع يثبت بالفعل أننا أمام نظام يغير قواعد اللعبة. فمن ناحية، هناك أندية مغمورة رأت النور بفضل غرفة المقاصة؛ كنادي سبورتيفو أوبريرو في باراغواي، الذي حصل لأول مرة في تاريخه الممتد لأكثر من قرن على أموال مستحقة بعد انتقال أحد لاعبيه. وكذلك نادي تامالي زيتونا في غانا، الذي أكد رئيسه أن “كل شيء أصبح واضحاً وشفافاً” بعد أن كان تحصيل حقوقهم شبه مستحيل. هذه الأموال التي تضخها الغرفة، والتي تقدر بمئات الملايين، هي شريان حياة لآلاف الأندية الصغيرة حول العالم.
وعلى الجانب الآخر، قائمة العقوبات تطول. ففي نوفمبر 2025 وحده، فرض الفيفا حظراً على تسجيل لاعبين جدد على أندية مثل غولدن أروز الجنوب أفريقي والأنوار الليبي بسبب نزاعات مالية لم تُسوَّ. هذه العقوبات هي النتيجة الحتمية لتجاهل القرارات التي يتم إبلاغها اليوم حصرياً عبر البوابة القانونية. ويمكن لأي شخص الآن الاطلاع على قائمة العار هذه عبر أداة رقمية أطلقها الفيفا، تكشف أسماء جميع الأندية المعاقبة، في خطوة غير مسبوقة نحو الشفافية الكاملة.
الخلاصة: عالم جديد لا مكان فيه للمتأخرين
رسالتي الأخيرة للأندية التي ما زالت في سباتها: لم يعد الأمر خياراً أو رفاهية. لقد وضع الفيفا الجميع أمام حقيقة لا تقبل الجدال: إما الانخراط الفوري والكامل في هذا النظام الرقمي الصارم، أو مواجهة العزلة القانونية والانهيار المالي. إن امتلاك حسابات نشطة على هاتين البوابتين والتعاطي معهما بشكل يومي مع تخيص وتدريب موظف مختص بها على ان يكون ذا خلفية قانونية هو طوق النجاة الوحيد للبقاء في عالم كرة القدم الذي يلفظ بقوة كل من يتخلف عن ركب الحوكمة والشفافية.





